Wednesday, July 9, 2008

خوش مقال

حزبنا الله ونعم الوكيل
زياد بن عبدالله الدريس الحياة - 09/07/08//


لو أمكن لي أن أصف الزمن الذي نعيشه الآن لقلت إننا نعيش في أكثر الحقب اللادينية تديّناً!كيف يمكن فهم هذا؟!عصرنا هو الذي يوصفمن بعض بأنه أكثر العصور انحلالاً وتفسخاً وطغياناً وتزندقاً. وهو ذاته الذي يوصف من البعض الآخر وأحياناً من «البعض» نفسه.. ويا للمفارقة، بأنه أكثر العصور تشدداً وتطرفاً وتعصباً وتحجباً!هل يمكن أن تجتمع هاتان الزمرتان من الصفات في مجتمع بشري واحد؟الجواب، بكل تهور، نعم.قد لا تتوافر هذه الصفات المتحاربة في إنسان واحد في آن، لكنها تتوافر في مجتمع واحد، بل ربما في أسرة واحدة.متى يكون هذا؟عندما تتقلص وتنحسر الطبقة الوسطى في المجتمع، وهنا لا أعني المفهوم الاقتصادي الشائع للطبقة الوسطى، بل المفهوم الثقافي الاجتماعي. ولذا قد يكون من الأجدى عوضاً عن استخدام مسمى الطبقة الوسطى، استخدام: الطبقة الوسطية، وهو مسمى ذو نكهة شرعية إسلامية رغم أننا هنا لا نتحدث عن الحالة الإسلامية فقط، بل عن حالة التدين واللاتدين العالمي.تقلُّص وانحسار الطبقة «الوسطية» في المجتمع والأسرة البشريين أديا إلى بروز وهيمنة الطبقتين العليا والسفلى، أو اليمنى واليسرى من التفكير والشعور والمشاعر. ففي تخليق كل متطرف ديني يتم إزاءه أو ضده، بالأصح، تخليق متطرف لا ديني. لأن التطرف، بشقيه، هو دوماً أكثر جاذبية وإبهاراً وترويجاً، وخصوصاً لدى فئة الشباب، من شخصية «الوسطي» الخامل المتعادل الأليف المألوف. إنها تماماً كالفارق بين أهازيج وعنفوان الفوز أو الخسارة في مباراة، عندما نقارنها بأهازيج التعادل الهامسة أو الصامتة!في المألوف أن إزدياد الدينيين يعني تناقص اللادينيين، لكن الواضح أن العلاقة بين تعدادهما طردية وليست عكسية، فالطبقتان تتوسعان الآن سوياً وان كان ذلك بتعداد متفاوت لصالح الطبقة الأولى. السبب في تزايدهما الطردي أنهما في الغالب لا يقضمان من بعضهما، بل يقضم كل منهما من الطبقة الوسطية المستضعفة التي تتقلص كل يوم. فبروز المحافظين الجدد الإنجيليين الذين يقودون حروب العالم باسم الدين لم يردع المثليين والشواذ من المطالبة بحقوقهم في الزواج والعيش «الكريم»!هذا الانشطار في الأدمغة بين الديني واللاديني، هو الذي جعل البعض يسمي عصرنا هذا بزمن التدين والتشدد، بينما يسميه آخرون من الضفة الأخرى بزمن الكفر والانحلال. كلا البعضين يسمي الزمن نفسه بمسمى متناقض. إنها أشبه ما تكون بحالة التصالب البصري في المخ، حيث الجسم البصري الأيمن يغذي العين اليسرى، والجسم الأيسر يغذي العين اليمنى. وبالمثل فعين اليساري لا ترى إلا نفوذ اليمين، وعين اليميني لا ترى إلا امتداد اليسار.في تقريرين شبه متزامنين للـ «بي بي سي» و «النيويورك تايمز» عن استفحال ظاهرة التدين الإسلامي في مصر، تناول التقرير الأول انتشار «زبيبة الصلاة» في جباه الشبان بعد أن كانت حكراً لزمن مضى على جباه الشيوخ والمسنين. وفي التقرير الثاني محاولة لتفسير لأزمة «إن شاء الله» على ألسنة الشباب والفتيات بمسوغاتها، ومن دون مسوغاتها أحياناً كإجابة أحدهم «اسمي حسنين إن شاء الله»!زبيبة الصلاة في جباه البعض لا تخفي جباهاً أخرى تركع في آنية المخدرات، وترديد «إن شاء الله» أيضاً لا يصم الآذان عن سماع ألسنة أخرى تهوى ترديد عبارات ومفردات أجنبية بحاجة ومن دون حاجة، و «كل حزب بما لديهم فرحون».«زبيبة الصلاة» لا شك «إن شاء الله» أنها دليل على زحف متسارع للتدين، لكن السؤال الأهم: هل هو زحف على حساب الطبقة اللادينية أم هو على حساب الطبقة الوسطية المتآكلة يوماً بعد آخر؟!العالم بحاجة حقاً إلى حبال دينية يتعلق بها من هوة المادية الرأسمالية الكاسرة الآن، لكننا رغم ذلك لا نريد لجباه الشباب أن «تتزبب» قبل أن تتحصرم!أيها الوسطيون: إننا نعيش في زمن مباراة لا يراد لها التعادل!
* كاتب سعودي

No comments: